وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ
سەردان : ١٩٩
بەروار : ٢٠١٩/٠٩/١٢



الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الامين 
وبعد :
قال الامام مسلم ـ رحمه الله ـ وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ
مَكَةَ، وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ كَالثغَامَةِ بَيَاضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ،وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ))(5498).

هذا كلام الشيخ العلامة المحدث ابن ادم الولوي في تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم (وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ).فعليك بقراءته تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

قال الشيخ المحدث : زعم بعضهم أن قوله: واجتنبوا السواد مُدْرَج في الحديث؛
وحجتهم في ذلك ما في مسند أحمد من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لَمّا
حدّثه بهذا الحديث قال: قلت لأبي الزبير: قال: جنّبوه السواد؟ قال: لا.
وهذا القول مردود؛ لأمور:
الأول: أن الأصل في ألفاظ الحديث عدم الإدراج؛ إذ لا دليل عليه
إلا الحكاية المذكورة، وليست هي دليلاً عليه؛ إذ غايتها أن يقال: إن أبا الزبير
قد نسي حين حدّث زهيراً، وكم من محدّث قد نسي حديثه بعدما حدّث به،
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية، كنت أُنسيتها،
رواه مسلم، وقد صرّح الحافظ في النخبة أن الصحيح أنه لا يُردّ الحديث
لنسيان الشيخ إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدّث بهذا.
الثاني: أنه قد تابع ابن جُريج ليث بن أبي سُليم عند أحمد، وابن
ماجه، وهو وإن كان مختلطاً، لكنه يصلح في المتابعة والشواهد، كما صرّح به
مسلم في مقدّمة صحيحه.

الثالث: أن للحديث شاهداً صحيحاً، قال الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- في
مسنده:(12656) - ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، عن هشام، عن محمد بن
سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خِضاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن شابَ إلا يسيراً، ولكن أبا بكر وعمر بعده خَضبا بالحنّاء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة
يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر:
(( لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمةً لأبي بكر، فأسلم، ولحيته، ورأسه
كالثَّغَامة بياضاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: غَيِّروهما، وجنِّبوه السواد قال الشيخ مقبل -رَحِمَهُ اللهُ- في رسالته ص 43: حديث صحيح على شرط مسلم.
قال الحافظ الهيثميّ في المجمع بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد،
وأبو يعلى، والبزّار باختصار، وفي الصحيح طرف منه، ورجال أحمد رجال
الصحيح مجمع الزوائد 5/ 160.

وله أيضًا شاهد آخر صحيح أيضًا، حسّنه الشيخ مقبل رحمهُ اللهُ، ولعله من أجل الكلام في ابن إسحاق، لكنه تقوّى بالشواهد المذكورة، فالحقّ أنه صحيح، والله تعالى أعلم.
قال ابن سعد رحمهُ اللهُ في الطبقات:
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني
يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
لَمّا دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، واطمأنّ، وجلس في المسجد أتاه أبو بكر بأبي قحافة، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يا أبا بكر ألا تركت الشيخ حتى أكون أنا الذي أمشي إليه؟ قال: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه، فأجلسه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين يديه، ووضع يده على قلبه، ثم قال: يا أبا قحافة أسلم تَسْلَم، قال: فأسلم، وشهد شهادة الحقّ، قال: وأُدخل عليه،
ورأسه ولحيته كأنهما ثُغامة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: غَيِّروا هذا الشيب، وجَنِّبوه السواد. انتهى الطبقات الكبرى لابن سعد 5/ 451.
وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في المسند( 6/ 349)، مطوّلًا، وابن حبّان في صحيحه صحيح ابن حبّان( 12/ 286).والحاكم في مستدركه (المستدرك 3/ 46).
ومن الشواهد أيضًا ما أخرجه أحمد في مسنده، قال: حدّثنا قتيبة، قال: أنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران،عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: غَيِّروا الشَّيْب، ولا تُقَرِّبوه السواد. انتهى 
وابن لهيعة متكلَّم فيه، لكنه يصلح للاستشهاد به، ولا سيّما وقد عدّ
بعضهم قتيبة ممن روى عنه قبل اختلاطه.

ومن الشواهد أيضًا ما أخرجه البيهقيّ رحمهُ اللهُ في الكبرى، قال:
(14600) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ، أنا
أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا الحسن بن هارون، ثنا مكيّ بن
إبراهيم، أنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ذكر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: غَيِّروا الشيب، ولا تشبَّهوا باليهود، واجتنبوا السواد.
انتهى سنن البيهقي الكبرى( 7/ 311).
وعبد العزيز بن أبي روّاد فيه كلام، والحسن بن هارون قال أبو حاتم:
لا أعرفه، كما في لسان الميزان ذكره الشيخ مقبل رحمهُ اللهُ في رسالته المذكورة ص 46.

قال الجامع عفا الله عنه ـ يعني الشيخ ابن ادم الولوي ـ : قد تبيّن بما سبق بطلان دعوى الإدراج للفظ:واجتنبوا السواد، وأن الحديث صحيح، لا كلام فيه، وأن صبغ من يصبغ بالسواد متعلّلًا بالإدارج المذكور، باطل، فإياك وإياك أن تصبغ به، فتقع فيما نهى عنه النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فتدخل في الوعيد الشديد الذي ذكره الله عزَّ وجلَّ في قوله: {فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

وقد ألّف بعض المعاصرين المحقّقين في هذه المسألة رسالة، منهم
المحدّث الكبير الشيخ مقبل الوادعيّ اليمنيّ رحمهُ اللهُ في رسالته القيّمة في
الخضاب و هي مطبوعة ضمن مجموعة رسائل علميّة، وكلها له رحمهُ اللهُ طبع دار الآثار، صنعاء. 
ومنهم الشيخ فريح بن صالح الهلال، فقد ألّف رسالة سمّاها: إتحاف الأمجاد باجتناب تغيير الشيب بالسواد، وقد قدّم لها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهُ اللهُ، وهي رسالة مفيدة كافية في الموضوع، فعليك بمراجعتهما، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

فإن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أوجب اتّباعِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، وقال:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]،

فالواجب على المكلّف اتّباع سُنَّته، ولا يُنظر إلى خلاف من
خالفها، وإن كان من الأكابر، بل يُعتذر عن هؤلاء الذين ذكر أنهم صبغوا
بالسواد -إن ثبت عنهم- بأن النهي لم يَصِل إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، اللَّهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، آمين.

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج
لفضيلة الشيخ العلامة المحدث محمد بن علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولوي
(ج 35/ ص 49 ـ53).